محمد مهري كركوكي

30

رحلة مصر والسودان

والزبير بشأن ذلك فاقرّا على تشديد الحصار ففرقا الرجال حول الخندق . وألح عمرو على الحصن بالمنجنيق ثم خابر القوم بشأن التسليم فلم يفعلوا . وكان المقوقس يريد التسليم تخاصا من نير الروم لما بينه وبينهم من الضغائن الدينية وان لم يتجرأ على التصريح ببغيته لان رجاله لم يكونوا كلهم من حزبه ولا سيما الأعيرج . ولما رأى من اقدام العرب وصبرهم على القتال ورغبتهم فيه خاف ان يظهروا على رجاله فتكون الخسارة مزدوجة فعمد برجاله إلى باب الحصن الغربي على ضفة النيل وعبر بهم على الجسر إلى الجزيرة ثم تبعه الأعيرج ولم يترك في الحصن الانفرا قليلا من رجاله والعرب غير عالمين ولما ابطأ الفتح قال الزبير « اني أهب اللّه نفسي وأرجو ان يفتح اللّه بذلك على المسلمين » فعبر الخندق ثم وضع سلما إلى جانب دار الحصن من ناحية سوق الحمام واخبر عمرا انهم إذا سمعوا تكبيره ان يجيبوه جميعا فما شعر الا والزبير على رأس الحصن يكبر والسيف في يده فتحامل الناس على السلم حتى كادوا يكسرونه لكثرتهم فنهاهم ثم كبر وكبر الناس معه وأجابهم من كان خارجا فظن من كان باقيا في الحصن من الروم ان العرب جميعهم هاجمون فهربوا . وعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن . ففتحوه واقتحموا الحصن وتملكوه ثم عمدوا إلى الجسر فتعقبوا القبط إلى الجزيرة . واما هؤلاء فساروا إلى منف عاصمة ولايتهم . وبعد ان عبروا النيل رفعوا الجسر عنه فتوقف العرب عن تعقبهم إذ لم يكونوا يستطيعون عبور النيل فأصبحوا محاطين بالماء من كل الجهات فلما رأى المقوقس ذلك انفذ إلى عمرو كتابا نصه « انكم قوم قد ولجتم في بلادنا والححتم على قتالنا وطال مقامكم في ارضنا وانما أنتم عصبة يسيرة وقد اضلتكم الروم وجهزوا إليكم ومعهم من العدة والسلاح وقد أحاط بكم هذا النيل وانما أنتم أسارى في أيدينا فابعثوا الينا رجالا منكم نسمع من كلامهم فلعله ان يأتي الامر بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب وينقطع عنا وعنكم القتال قبل ان تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه . ولعلكم ان تندموا ان كان الامر مخالفا لطلبتكم ورجائكم فابعثوا الينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء » فلما اتى رسل المقوقس إلى عمرو حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس وانما أراد بذلك عمرو ان يروا حال المسلمين وعند ذلك رد عمرو الرسل وكتب إلى المقوقس « انه ليس بيني وبينكم الا احدى